حلـــب في التاريــخ

 

الصفحة الرئيسية

تعتبر مدينة حلب حضارياً من أهم مدن العالم قاطبة وأقدم مدن الشرق والغرب التي لم تزل قائمة حتى يومنا هذا.

وأقدم ذكر لحلب ورد في نصوص إبلا ( تل مرديخ على بعد 60 كم جنوب حلب) التي تعود للألف الثالث قبل الميلاد كما ذكرتها نصوص مدينة ماري ( تل الحريري قرب مدينة البوكمال ) وأوغاريت في الألف الثاني ق.م, ويتوقع علماء الآثار أن في مدينة حلب مكتبة ضخمة لا تقل محتويتها عن عشرين ألف رقيم مسماري من عصر إبلا وماري وأوغاريت وفي حين أن هذه الحواضر التي مر ذكرها اندثرت, بقيت مدن حلب صامدة تقاوم عوادي الدهر.

ومن الثابت والأكيد أن الاستيطان البشري لمدينة حلب قد تم في الألف الخامس ق.م, تشهد على ذلك الكسر الفخارية الملتقطة من تلة السودة والتي تعود إلى هذا العصر كما أن أعمال التنقيب الأثري لمديرية الآثار في موقع الأنصاري ( جنوب مدينة الحمدانية ) أظهرت آثاراً تعود إلى الألفين الثالث والثاني ق.م, وفي منطقة باب الفرج قامت مديرية   الآثار بالكشف عن بقايا سور المدينة الذي يعود إلى فترات مختلفة في العصور القديمة وكان من جملة المكتشفات الأثرية آنية ودمى فخارية من الألفين الثالث والثاني ق.م, إلى جانب العديد من الأسرجة الفخارية الرومانية والبيزنطية والإسلامية, وهذه اللقى هي أقدم ما كشفت عنه التنقبات داخل المدينة وفي مركزها الرئيسي.

ومن الآثار الهامة المكتشفة في مدينة حلب حجر بازلتي نقش عليه اسم الملك الحثي تالي شاروما بن تلبينو من عام 1350 ق.م وهو موجود حالياً في جدار جامع القيقان بمحلة العقبة وتمثال أمير من حجر البازلت أيضاً عثر عليه في عين التل من الألف الأول ق.م ومعروض حالياً في متحف حلب , ومشهد أسطوري لجنيين حول قرص الشمس منقوش على حجر بازلتي  ضخم عثر عليه داخل قلعة حلب مع بعض تماثيل نحتية أخرى تمثل أسود ضخمة, تعود إلى الألف الأول ق .م  

لا نعرف بالضبط ماذا يعني اسم حلب إلا أن هذا الاسم يذكر في وثائق إبلا وماري وأوغاريت على شكل حلبا، وهي التسمية الكنعانية القديمة للمدينة، وتذكر بهذا الاسم أيضًا في الوثائق المصرية فيكتب اسمها بالحروف ( ح،ر،ب ) .

ازدهرت حلب ازدهاراً ملحوظا في الألف الثاني ق.م ، وكانت عاصمة يمحاض الكنعانية في الشمال السوري، وكانت معاصرة لمدينة ماري ،وتذكر إحدى الوثائق المكتشفة في ماري أن ملكها أرسل التمثال الربة عشتار الى ملك حلب لينصبه داخل معبد الإله حدد في كلاسو ،وكلاسو هو حي الكلاسة الحالي ، وعلى هذا يكون اسم حلب ليس معروفاً بلفظه الحالي فقط بل باسم أحيائها أيضاً .

وكانت حلب تخضع لنفوذ الدول القوية المجاورة لها الحثية والآشورية في الألف الأول قبل الميلاد، وعندما كانت تضعف قوة هذه الدول تنهض حلب لتحكم نفسها من جديد وبانهيار الدولة الآشورية وصعود الدولة البابلية الحديثة خضعت حلب للحكم البابلي, وبزوال الحكم البابلي واحتلال العاصمة بابل من قبل كورش الأخميني عام 535 ق.م بقيت حلب تحت حكم الفرس حتى دخول الإسكندر لسورية عام 332 ق.م.

توسعت حلب في العهد السلوقي بل تأسست من جديد، وغير سلوقس نيكاتور اسمها من حلب إلى بيرويا بين عام (301و281ق.م )وحافظت حلب على اسمها الجديد في العهد الروماني إلا أنها استعادت اسمها القديم خلال فترة الحكم البيزنطي، وفي عام (540) م استطاع الملك الساساني ( خسرو / كسرى ) الأول فتحها فخربها وتركها قاعاً صفصفا ثم أعيد بناء المدينة في عهد جستنيان البيزنطي (عام 518-565) وحصنها بسور مبني من حجر .

ولعل أهم انعطاف تاريخي شهدته حلب هو دخول العرب المسلمين إليها عام (636) م إلا أن حلب لم تلعب الدور التاريخي البارز الذي لعبته دمشق في ظل الحكم الأموي وانتقلت أهميتها الإدارية والسياسية إلى مقاطعتي حمص وقنسرين، ومهما يكن من أمر فقد شيد بناء المسجد الكبير في عهد الخليفة الوليد بن عبد الملك (705-717) أو عهد أخيه سليمان (715-717) كما تذكر المصادر العربية .

ثم وقعت حلب في منطقة صراع بين العباسيين من جهة والطولونيين من جهة أخرى , أي بين العراق ومصر كما كان حال حلب في الألف الثاني ق.م، فكانت حلب تخضع لحكم العباسيين في بغداد تارة ولحكم الطولونيين حيناً آخر.

وحاصر القرامطة حلب بين عامي (902و903) م, وتمكن الإخشيديون من حكم حلب بعد حرب طويلة مع العباسيين استمرت أكثر من عشرين سنة إلا أن حكمهم لم يدم طويلاً.

واستطاعت حلب أن تتبوأ الصدارة مرة أخرى في التاريخ واستعادت أهميتها على يد مؤسس الدولة الحمدانية سيف الدولة, الذي جعل منها عاصمة لإمارته في عام (944) م .

جعل سيف الدولة من حلب محجاً لراود الثقافة والفن إلى جانب تصديه البطولي لبيزنطة , وقد ترك بصمات على صفحات التاريخ في الزود عن حدود الدولة الإسلامية التي خلدها الشاعر المتنبي في قصائده  .

إلا أن ازدهار حلب في العصر الحمداني لم يكتب له الحياة فترة طويلة , ففي عام) 962 ) غزا البيزنطيون حلب وأعملوا الخراب فيها وساقوا العديد من سكناها إلى المعتقلات ,وتبقى هذه الفترة من أشد الفترات المظلمة في تاريخ المدينة استمرت خمسين سنة , شهدت حلب خلالها الركود وكانت أشبه ما تكون بكرة يتقاذفها الحمدانيين والبيزنطيين والفاطميين , وفي عام( 10150) م خضعت حلب للنفوذ الفاطمي ثماني سنوات تخلى بعدها الفاطميون عن حكم حلب لقبيلة عربية من بني كلاب , إلا أن حكم المرداسيين كان دائم مهدداً بالخطر من قبل الفاطميين الذين استطاعوا انتزاعها أكثر من مرة من أيديهم . وفي عام (1079)م اضطر المرداسيون إلى تسليم حلب إلى قبيلة عربية أخرى من بني عقيل التي استطعت أن تمد نفوذها في نهاية القرن الحادي عشر على المنطقة الوقعة بين بغداد والموصل وحلب .

ولم يكن في مقدور الدولة السجلوقية الإسلامية الصغيرة في سورية والتي تأسست على ما تبقى من أجزاء الدولة العباسية أن تصمد طويلاً أمام الغزاة الصليبيين الذين جعلوا من المناطق المحيطة بحلب خراباً،  وسدوا منافذ الطرق التجارية الموصلة إليها  حتى باتت المدينة على حافة الهاوية . إلا أن الوضع  تغير تماما في ظل الحكم الزنكي فقد استطاع عماد الدين ( 1127-  1146 م) أن يرد الصليبيين على أعقابهم , وتشهد المدينة نمواً اقتصاديا مطرداً ,عندما أستلمها نور الدين (1146-1173) بعد وفاة والده أصبحت حلب معافاة اقتصاديا ً وعمرانيا ولم يضن عليها بالمال والجهد في سبيل تحسين المدينة . فجدد بناء السور والقلعة والجامع الكبير , وأعاد بناء الأسواق من جديد ورمم القساطل والمجاري فأوصل المياه حتى جامع التوتة وشيد كثيراً من المدارس التي لازال بعضها قائما حتى يومنا هذا.

ومنذ عصر نور الدين أخذت المدينة شكلها الحالي ضمن الأسوار, وقد تولى الأيوبيون حكم حلب بعد الزنكيين وأصبح الظاهر غازي بن صلاح الدين ملكاً على حلب عام ( 1186 ) فتألقت في عهده وواصلت تقدمها وازدهارها طيلة الحكم الأيوبي حتى عام (1260)، خلال فترة سلم دامت (130) سنة .

تابع الملك الظاهر غازي سياسة نور الدين في البناء , وفي عهده نشأت أحياء جديدة خارج الأسوار , كما عمل على تجديد الأسوار وتحصينها , وأعاد من جديد بناء القلعة كلياً , ووسع الأسواق حتى تستطيع استيعاب النمو التجاري الهائل , الذي شهدته حلب , والذي تعكسه العقود التجارية الموقعة مع دولة البندقية ( فينيسيا ) في الأعوام ( 1207, 1225, 1229, 1254, م) . كما جدد شبكة المياه التي تغذي المدينة ووسعها , وأقام العديد من الأبنية الدينية والمدنية, ثم اجتاح المغول حلب عام ( 1260) م, فأعملوا الخراب فيها , وأعدموا يوسف الثاني آخر ملك من السلالة الأيوبية , ولم يقف أمام تيار المغول الجارف إلا المماليك , الذين خلفوا الأيوبيين في حكم مصر عام ( 1250) م فصدوا الزحف المغولي في عين جالوت في أيلول عام ( 126 ) , ومنذ ذلك الحين أصبح قدر حلب رهينة في يد المماليك مدة ( 258 ) سنة , حتى فتحها العثمانيون عام ( 1516) م, إثر معركة مرج دابق التي قتل فيه السلطان المملوكي قانصوه الغوري .

كان ظل الحكم المملوكي ثقيلاً على حلب في بدايته , إذ أن المدينة تقع على أطراف الدولة المملوكية شمالاً ومعرضة دوماً لغزوات المغول , وزاد الأمر سوءاً انتشار وباء الطاعون في حلب عام ( 1348 ) م , إذ حصد كثيراً من أ رواح سكانها .

إلا أن حلب استردت بعضاً من أنفاسها في النصف الثاني من القرن الرابع عشر, ولو لفترة قصيرة , إذ أعيد بناء السور وشهدت نشاطاً عمرانياً  ملحوظاً , وفي عام ( 1400) م جابهت حلب الكارثة مرة أخرى , وكان ذلك على يد تيمور لنك الذي غزاها وأباح المدينة لجيشه مدة ثلاثة أيام .

لم يختلف وضع حلب في مطلع القرن الخامس عشر عن القرن الذي سبقه غير أن الظروف الدولية كانت ملائمة لصلح حلب , فقد تعطلت الطرق التجارية التي كانت تصل إيران بأوروبا عبر آسيا الصغرى بسبب التقلبات السياسية في الأناضول من جهة , والحرب بين التيموريين والعثمانيين من جهة أخرى , مما ساعد حلب على احتكار تجارة الحرير المصنع في شمال إيران لتصديره إلى المدن الإيطالية وخاصة إلى مدينة البندقية ( فينيسيا ) .

وازداد نمو حلب في النصف الثاني من القرن الخامس عشر , فكثر العمران ودبت الحياة في الأحياء الفقيرة خارج الأسوار , كما نشأت أحياء جديدة على أطراف المدينة الشمالية الشرقية وتوسعت لأسواق , واستمر نمو المدينة وتطورها في مطلع القرن السادس عشر , ولم تتأثر تجارة حلب بالفتح العثماني بل على العكس استطاعت حلب أن تغزو أسواق الأناضول نفسها وتوسع نشاطها التجاري مع أوربا وتشهد على ذلك قنصليات الدول الأوربية التي افتتحت في حلب على الشكل التالي :

سنة ( 1548 ) قنصلية فينيسيا ( البندقية )

سنة ( 1562 ) قنصلية فرنسا

سنة ( 1583 ) قنصلية إنكلترا

سنة ( 1613 ) قنصلية هولندا

وأصبحت حلب من أهم مراكز التجارة في شرق البحر الأبيض المتوسط .

ضعف مركز حلب التجاري في القرن الثامن عشر فأصاب المدينة الفقر والعوز وخاصة بعد كارثة الزلزال الذي ألم بحلب عام /1822 إلا أنها استردت عافيتها وعادت إلى مزاولة نشاطها التجاري الدولي في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين . وخضعت حلب لتأثيرات أوربية منذ ذلك الحين حتى يومنا الحاضر.